أحمد مصطفى المراغي

161

تفسير المراغي

الخلقة قال تعالى : « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ » أي إنه يراد به تغيير الفطرة الإنسانية عما فطرت عليه من الميل إلى النظر والاستدلال وطلب الحق وتربيتها وتعويدها الأباطيل والرذائل والمنكرات ، فاللّه قد أحسن كل شئ خلقه ، وهؤلاء يفسدون ما خلق اللّه ويطمسون عقول الناس . والخلاصة - إن الدين الفطري الذي هو من خلق اللّه وآثار قدرته ليس هو مجموع الأحكام التي جاء بها الرسل ليبلغوها للناس ، بل هو ما أودعه اللّه في فطرة البشر من توحيده والاعتراف بقدرته وجلاله ، وهو ما أشار إليه في الحديث « كل مولود يولد على الفطرة » . ومن أهم أسس هذا الدين الفطرية العبودية للسلطة الغيبية التي تنتهى إليها الأسباب ، وتقف دون الوصول إلى حقيقتها العقول . ( وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً ) أي ومن يتبع الشيطان ووسوسته وإغواءه وهو البعيد من أسباب رحمة اللّه وفضله ، فقد خسر خسرانا ظاهرا في الدنيا والآخرة ؛ إذ أنه يكون أسير الأوهام والخرافات ، يتخبط في عمله على غير هدى ، ويفوته الانتفاع التام بما وهبه اللّه من العقل والمواهب الكسبية التي أوتيها الإنسان وميّز بها من بين أصناف الحيوان . ( يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ) فيعد الناس الفقر إذا هم أنفقوا شيئا من أموالهم في سبيل اللّه ، ويوسوس لهم بأن أموالهم تنفد أو تقلّ ويصبحون فقراء أذلاء ، ويعدهم الغنى والثروة حين الإغراء بالقمار ، ويعد من يغريه بالتعصب لرأيه وإيذاء مخالفه فيه من أهل دينه للجاه والشهرة وبعد الصيت . ويؤيد هذه الوعود بالأمانى الباطلة يلقيها إليهم .